أولاً : مراحل تطور المذهب المالكي :لقد مر المذهب المالكي بخمس مراحل: مرحلة التأسيس، ومرحلة التفريع، ومرحلة التطبيق، ثم مرحلة التنقيح والنقد ثم مرحلة الجمع والإختصار. مرحلة التأسيس: هي مرحلة تأصيل قواعد هذا المذهب على يد صاحبه مالك بن أنس، الذي عمل على تمهيد الطريق لمن جاء بعده، وذلك بتأصيل الأصول وتقعيد القواعد، ورسم المنهج العام الذي سلكه أتباعه من بعده، فإشاراته إلى مآخذ الفقه وأصوله، هي التي اتخذها أهل الأصول من أصحابه معالم اهتدوا بها، وقواعد بنوا عليها.
وهكذا، فإن أصول المذهب استقرائية، تبعا لملاحظة تلامذة الإمام مالك و طريقة اجتهاده، ولا سيما ما ورد في الموطأ من فتاوى وأحكام، وما كان ينقل عنه من أجوبة، فاستخلصوا من كل ذلك ما ينبني المذهب عليه. ذلك أن الإمام مالكا لم يحدد هذه الأصول بنفسه بالكيفية التي يذكرها الأصوليون.(1)
مرحلة التفريع: ويقصد به بناء الفرع على أصله، واستنباط حكمه منه(2)، وذلك داخل المذهب.وهذه المرحلة هي التي ظهر فيها أتباع الإمام مالك وتلامذته، آخذين بمنهجه، ومؤسسين الإفتاء في الحوادث والوقائع بربطها بأصوله وقواعده.
تبتدئ هذه المرحلة من نهاية القرن الثاني الهجري وتستمر إلى منتصف القرن الثالث، وفيها توسع نفوذ المذهب، وامتد إلى جهات أخرى كالعراق ومصر وإفريقية والأندلس على يد تلاميذ الإمام مالك الذين تكونت بهم وعلى أيديهم المدرسة المالكية، وأصبح لها منظرون في المذهب، يفرعون المسائل الجزئية على ما أصله الإمام في الأحكام العملية، وبدأ التدوين على نطاق واسع.
وتعد المدونة الكبرى برواية سحنون عن عبد الرحمن بن القاسم النواة الأولى لمرحلة التفريع، ثم جاءت بعدها "الواضحة" لعبد الله بن حبيب في الأندلس، ثم العتبية والموازية ومختصر ابن عبد الحكم وغيرها... وهي التي تسمى بالأمهات، وستشهد هذه المرحلة اتساع المسائل، وكثرة التفريعات وبروز الاختلاف في الأقوال والطرق، وتقدير الوقائع، والربط بينها وبين الدلائل الإجمالية، الشيء الذي نشأت عنه مرحلة ثالثة بالضرورة وهي:
(1)- انظر تفصيل هذه المراحل في كتاب: مباحث في المذهب المالكي بالمغرب، د. عمر الجيدي، ص 47.
(2)- منار السالك إلى مذهب الإمام مالك، ص 66، لأحمد السباعي الرجراجي.
مرحلة التطبيق: وهي مرحلة النظر فيما أنتجه دور التفريع الفقهي الذي سبق، والإجتهاد في تحقيق المناط في الوقائع المستجدة.
ومما يميز هذه المرحلة كونها اهتمت بدراسة المسائل التي ضمتها مدونات جامعة أنتجتها مرحلة التفريع.فانكب فقهاء هذا العصر على الموازنة بين مختلف تلك المسائل، رابطين الأصول بالفروع، ملحقين الشبيه بالشبيه، ضابطين مواقع الإتفاق والإختلاف بين تلك الأقوال المأثورة عن الفقهاء السابقين. وفي بعض الأحيان قد يجتهدون في المسائل التي ليس فيها حكم عن طريق القياس، وذلك بإدراج ذلك الحكم تحت الكليات المقررة، والقواعد التي ضبطت. وبذلك دخلوا في مرحلة الملاءمة بين ما هو منصوص، وبين ما يتطلبه الواقع الجديد. الأمر الذي أدى إلى بروز اختلافات بين المتأخرين والمتقدمين.
ويصور لنا الفاضل بن عاشور هذه المرحلة بقوله(3): "وظهرت في هذا الدور كتب التهاذيب التي هذبت بها الكتب القديمة، والمختصرات التي لخصت فيها، والشروح التي شرحت بها، ودقق في النظر في المسائل لأجل بيان الاتفاق والاختلاف، تقر صور النوازل والفتاوى التي تشتمل على الواقعات الحادثة، وعلى بيان ما يرى الفقهاء المتأخرون من رجال دور التطبيق من انطباق أو عدم انطباق لقول من الأقوال المأثورة من المصادر القديمة من دور التفريع على تلك الجزئية الخاصة. وهذا ما أكده أيضا ابن خلدون في مقدمته..- مرحلة التنقيح: وهي مرحلة تنقيح أقوال المذهب، واعتبار الدليل الأقوى منها رواية ودراية. وأهم تطور يسجل في هذه المرحلة، ظهور حركة نقدية انصبت على أقوال المتقدمين، بقصد إخضاعها للنقد والتمحيص بطريقة مغايرة لما كان سائدا في السابق، فجاء في هذا بمنهج جديد في ميدان نقد الفقه.ومن أبرز الفقهاء الذين تزعموا هذا التيار اللخمي، الذي كان له تأثير واضح فيمن جاء بعده من أمثال المازري وابن بشير وابن رشد الجد وعياض وغيرهم ممن سلك مسلكه في طريقة نقد الفقه، فنقحوا ما أمكنهم تنقيحه من المسائل، وأولوا بعض الروايات حاكمين على صحة بعضها، وضعف البعض الآخر..
- مرحلة الجمع والاختصار: وهذه المرحلة جاءت بعد استقرار المناهج، والنظر في الفروع الفقهية تخريجا وتطبيقا وتنقيحا، وما قام به أعلام المذهب من اجتهادات. وهكذا ظهر مختصر بن شاس المسمى "الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة". ومختصر ابن الحاجب المسمى "بجامع الأمهات". وجاء بعده "مختصر الشيخ خليل" ..
وهكذا أصبح المتأخرون دائرين في فلك المتقدمين، عاكفين على ما انتهى إليهم من أقاويل من تقدمهم، لا يتعدون دائرة الشرح والإختصار..
(3)-المحاضرات المغربيات، الفاضل ابن عاشور، ص 37 وما يليهاثانياً : مدارس المذهب المالكي :لقد انتشر المذهب المالكي في أصقاع كثيرة معمورة , ولعل ذلك كان بسبب السمعة الطيبة الذي اشتهر بها مالك رحمه الله , مما جعل الطلاب يفدون اليه من كل حدب وصوب, لينهلوا من علمه وينشروه بعد ذلك في بلدانهم , وقد برز من أولئك التلاميذ , أربع مجموعات , كان لها أكبرالأثر في نشر مذهب مالك أصولاً وفرعًا , وقد تميزت كل مجموعة منها بخصائص ومميزات , بسبب التأثر بالبيئة وغير ذلك , حتى أمكن اعتبار كل واحدة منها مدرسة مستقلة وسأتناول هذه المدارس بشكل مختصر, أولاً : المدرسة المدنية : أ/ نشأتها وتطورها : لقد نشأت هذه المدرسة وتطورت على يد رجال أفذاذ من تلامذة مالك رحمه الله , برزوا في العلم في حياته واحتلوا مكانته العلمية بعد وفاته , إلا أن أكثرهم لمعانًا وأبرزهم صيتًا : 1/ عثمان بن كنانة الذي قعد في مجلس مالك بعد وفاته وكان مقربًا لديه في حياته (1)2/ نافع الصائغ الذي جلس مجلس ابن كنانة بعد وفاته , وكان مالك قد أشار له بالخلافه من بعده (2)3/ محمد بن مسلمة الذي قيل عنه أنه جمع العلم والورع , وأنه أفقه أصحاب مالك (3).4/ عبدالملك بن الماجشون (4).5/ مطرف بن عبدالله (5).
(الإمامان اللذان حملا لواء هذه المدرسة ردحًا من الزمن , حتى عُدا أشهر من نشر علم مالك) (6).
1: عثمان بن عيسى بن كنانة من فقهاء المدينة,ت185 انظر ترتيب المدارك3/212: عبدالله بن نافع الصائغ مولى بني مخزوم ت186 انظر ترتيب المدارك 3/1283: محمد بن مسلمة بن هشام أفقه أصحاب مالك ت260انظر المدارك 3/1314: عبدالملك بن عبدالعزيز بن عبدالله مولى قريش ت214انظر المدارك 3/1315: مطرف بن عبدالله بن سليمان مولى ميمونة ام المؤمنين ت220انظر المدارك 3/131. 6: انظر المذهب المالكي مدارسه مؤلفاته خصائصه سماته.لـ محمد المامي ب/ سمتها : لقد تميزت هذه المدرسة بانتهاج منهج معين
اختصت به عن بقية المدارس , ألا وهو منهج الإعتماد على الحديث بعد القرآن مرجعًا للأحكام دون النظر إلى كون العمل موافقًا له أو غير موافق , مادام الحديث ثابتًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولعل هذا المنهج كان بسبب التأثر بجانب من شخصية مالك حيث كان يكره الرأي ويذمه, كما كان يكره التنظير وكثرة افتراض المسائل ويحث على التمسك بالدليل متى صح , فحمل تلاميذه المدنيون ذلك على إطلاقه , ورأوا عرض الحديث على الأثر بعد أن صح هو نوع الرأي الذي ذمه شيخهم.ثانيًا : المدرسة المصرية :أ/ نشأتها : تعد المدرسة المصرية أول مدرسة بعد مدرسة المدينة وذلك بجهود كبار تلامذة مالك , الذين أخذوا عنه علمه ثم رحلوا إلى مصر ليعلموه الناس (1)ومن أبرز التلاميذ : 1/ عثمان بن الحكم الجذامي(2)2/ عبدالرحيم بن خالد الجمحي(اللذان يعتبران أولا من قدم من مصر بمسائل مالك ) 3/ طوليب بن كامل اللخمي.(3) 4/ سعيد بن عبدالله المعافري. (4)
ب/ سماتها : لعل أبرز سمة تميزت بها هذه المدرسة عن بقية المدارس هي : اعتماد أئمتها خاصه ابن القاسم ومن نحا نحوه , كابن المواز وغيره , ( على العمل بالسنة الأثريه وماتقتضيه من مسايرة العمل), أو بعبارة أخرى العمل بالسنة التي وافقها عمل سلف أهل المدينة, وهو ماكان يعبر عنه مالك رحمه الله بإجماع أهل المدينة , وقد كان للسير في هذا المنحى دور كبير في تبني أحكام من المسائل, فقد قالوا بعدم خيار المجلس –مع أن حديثه ثابت-لكون العمل ليس عليه, وليس معنى هذا أن كل ماروي عن أهل المدينة يعتبرونه حجة يجب تعميمها على كل البلاد , وإنما كان يرون أن منه ماهو عرف خاص بأهلها , ومنه ماهو دين مخاطب به كل أهل البلاد (5).
(1)انظر ترتيب المدارك 3/292(2) عثمان بن الحكم الجذامي ت163(3) عبدالرحيم الجمحي روى عن مالك الموطى من قضاة مصر ت163(4) طوليب بن كامل اللخمي أصله أندلسي يسكن الأسكندرية ت173(5) انظر مذاهب المالكي مدارسه مؤلفاته خصائصه سماته لمحمد المامي ص67ثالثًا : المدرسة العراقية : لقد انتشر المذهب المالكي في العراق وازدهر خصوصًا في البصرة و بغداد بواسطة أصحاب مالك ومنهم : عبدالرحمن بن مهدي(1). 2/ عبدالرحمن بن مسلمة القعنبي(2) . ثم بأتباعهما كـ يعقوب بن أبي شيبة وغيره ب/ سماتها : عناية العراقيين بالتخريج وجمع المناظر , وهو ماعبر عنه المقري باصطلاح العراقيين في شرح المدونة ( حيث قال فأهل العراق جعلوا في اصطلاحهم المدونة كالأساس وبنوا عليها فصول المذهب بالأدلة والقياس , ولم يعرجوا على الكتاب بتصحيح الروايات ومناقشة الألفاظ , ودأبهم القصد إلى إفراد المسائل وتحرير الدلائل على رسم الجدليين وأهل النظر من الأصوليين (3).
ومن السمات التي تميزت بها أيضًا : الاعتناء بالفقه الفرضي وذلك أيضًا لعله من التأثر بالبيئة , فقد كان مالكية العراق يعايشون فقهاء الحنفية الذين ازدهر لديهم فقه الإفتراض, منذ النشأة الألى للفقه مما ترك أثراً واضحًا في مؤلفاتهم , فنجد مثلاً صاحب التفريع يتناول المسألة, فيقسمها تقسيمًا منطقيًا , يتناول فيه كل الوجوه المحتملة فيها عقليًا , فيعطي كل صورة حكمها كما في مسألة اشتباه الماء الطاهر بالنجس, ومسألة من نسي صلاة مفروضة دون تحديدها , ومسألة حكم الصيد في الحج , وغير ذلك من المسائل المنثورة في كتاب التفريع(4).(5)
(1) عبدالرحمن بن مهدي الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري روى عن مالك وغيره ت198 انظر تهذيب التهذيب 6/279(2) عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبي لزم مالك 20 سنة , ت220 انظر تهذيب التهذيب 3/198(3) انظر أزهار الرياض 3/ 22 .(4) انظر التفريع 1/221,233(5) انظر المذهب المالكي مدارسه مؤلفاته خصائصه سماته لمحمد المامي ص79_86_87 رابعًا : المدرسة المغربية : أ/ نشأتها : لقد غمر المذهب المالكي بلاد المغرب التي تشمل في هذا الإصطلاح بلاد شمال إفريقية والأندلس بواسطة تلامذة الإمام مالك , ومن أبرزهم : 1/ علي بن زياد (1) 2/ البهلول بن راشد (2) . 3/ عبدالرحيم بن أشرس (3) . 4/ عبدالله بن غانم (4) . كانوا هؤلاء حجر الأساس في هيكلة الفقه الإسلامي بالمغرب , ثم ازدهرت هذه المدرسة في القيروان وتونس أيام الإمام سحنون, كما قوي عودها في الأندلس بـ يحيى بن يحيى .
ب/ سماتها : إن قراءة عابرة لمدونة سحنون , تعطينا صورة جليلة لتلك السمات , فنجده يعرض المسألة , فيقلبها على جميع وجوهها ثم يعرض ماورد فيها من أحاديث وآثار , دون أن يهمل بيان ماعليه العمل , إن كان في المسألة أرآء متعارضة غالبًا , من ذلك مثلا ( مسألة ماجاء في القراءة على الجنائز) فبعد أن بين رأي مالك في الدعاء للميت , وفي القراءة عليه , وفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم , والثناء على المؤمنين أثناء الصلاة , سدر مجموعة من الآثار وقال : ( قال مالك ليس ذلك بمعمول به في بلدنا إنما هو الدعاء أدركت أهل بلدنا على ذلك ) وغيرها من المسائل (6)
(1) علي بن زياد التونسي العبسي سمع من مالك ت138(2) البهلول بن راشد أبو عمر من أهل القيروان ت183(3) عبدالرحيم بن أشرس كنيته أبو سعود ت(انظر ترتيب المدارك 3/85).(4) عبدالله بن عمر بن غانم القاضي ت190(5) انظر المذهب المالكي مدارسه مؤلفاته خصائصه سماته لمحمد المامي. ثالثًا : مزايا المذهب المالكي وفيه مبحثين :أ/ انتشار مذهبه . ب / بيان حرص أئمته على عدم التعصب .أ/ انتشار المذهب المالكي : حقق المذهب المالكي انتشارًا واسعًا في أرجاء العالم الإسلامي منذ عهده مؤسسه الإمام مالك , ومن أهم عوامل هذا الإنتشار مايلي :نفوذ السلطان , وتأثير العلماء .أما تأثير السلطة الحاكمة في تعيين المذهب المتبع عند عامة الشعب فإنه أهم عامل في رأي كثير من العلماء , كـ ابن حزم و القاضي عياض , ومن أمثلة ذلك : سبب انتشار مذهب مالك في الأندلس.أن يحيى بن يحيى كان مكينًا عند السلطان مقبول القول في القضاء , وكذلك في سائر البلدان التي اشتهر فيها مذهب مالك.
أما العامل الثاني : فهو تأثير علمائه في الأوساط الإجتماعية التي عاشوا فيها , ولقد كان تلاميذ مالك أكبر فضل في نشر المذهب بعد عودتهم من بلدانهم , إن تأثير العلماء وخاصة القضاة منهم في ترسيخ جذور المذهب وتوسيع قاعدة المنتمين إليه أمر لاينكر ,( ففي القرن الثالث حاز المالكية قضاء عواصم بلدان الإسلام , إذ كان إسماعيل قاضي القضاة الأعلى في بغداد , والحارث بن مكين بمصر , وسحنون قاضي القضاة بالقيروان , ويحيى بن يحيى مستشارًا في تعيين قضاة الأندلس , وذلك في عصر متقارب) (1) (2)
(1) انظر الفكر السامي لـ محمد الحجوي ص31(2) انظر اختلاف الفقهي في المذهب المالكي مصطلاحاته وأسبابه لـ عبدالعزيز بن صالح الخليفي ص99_100_101 _102_104 المراجع : (1) الاختلاف الفقهي في المذهب المالكي مصطلاحاته وأسبابه لعبدالعزيز بن صالح الخليفي/ ط 1414هـ.(2) ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض.(3) الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد الحجوي.(4) المذهب المالكي مدارسه مؤلفاته خصائصه سماته ,لمحمد مختار محمد المامي./ مركز زايد للتراث و البحوث.(5) مباحث في المذهب المالكي بالمغرب، د. عمر الجيدي، (6) منار السالك إلى مذهب الإمام مالك، لأحمد السباعي الرجراجي.(7) المحاضرات المغربيات، الفاضل ابن عاشور.
27/01/2010 على الساعة 15.29:04
من طرف Admin